لا يفاوض المستعمر إلا منتصرا
مقال من التاريخ لوصف الواقع السياسي في المنطقة
مقالاتنا


يُلقي الفكاهيون نكاتهم ويذهبون، ضمن ما يقولون، لقد هُزم الإيرانيون " لا أعرف كيف؟!" ، على كلٍ .. عزيزي إبن الأمس .. أنت معذور فلم تخض في حياتك حربا من قبل ، إن المنتصر لا يفاوض ، فقط يجبر المنهزم على الإستسلام كما أجبرت #الولايات_المتحدة اليابان بطريقة مهينة على متن سفينة حربية أمريكية بعد إلقاء القنبلتين الذريتين.
وكما أُُجبرت ألمانيا على توقيع معاهدة فرساي بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى ، وتم تقسيم أراضي الخلافة العثمانية المنهارة تقسيما مذلا وسلطويا من قبل الأطراف المنتصرة في الحرب العالمية الأولى ، لم يفاوض احد الألمان أو العثمانين ، فقط .. تم إذلال الألمان بسحب أراضي كثيرة ضمن سيادتهم وحدودهم إلى دول أخرى ، وتحديد القوات المسلحة الألمانية بمائة ألف جندي فقط ، ومنع أنواع كثيرة من السلاح سيما الدبابات بما يجعل الجيش الألماني مجرد قوات دفاعية أو أشبه بقوات شرطية لتنظيم الأمن الداخلي ولا يستطيع الجيش الألماني خوض أي حرب وفقا لتلك الشروط.
أما العثمانيين ، فبفضل خيانة ملوك العرب وبالإتفاق السري مع الإنجليز عبر مراسلات (الشريف حسين - سير ماكماهون ) ، تم تقسيم أراضي الخلافة العثمانية وإنهاء آخر خلافة إسلامية على وجه الأرض منذ ذلك التاريخ ، الجدير بالذكر أن الإتفاق بين الشريف حسين والإنجليز كان الإنقلاب على الخلافة في نجد والحجاز وتحطيم سكك حديد الحجاز وقتال القوات العثمانية في الجزيرة العربية (بسلاح إنجليزي) في مقابل تنصيب الشريف حسين خليفة على نجد والحجاز والأردن وفلسطين والشام كلها حتى سواحل سوريا!
وكان أن كشف الروس خديعة الإنجليز ووقع في أيدي المخابرات الروسية ورقة تثبت إتفاقا سريا بين الإنجليز والفرنسيين (الذي كانوا يسيطرون على اجزاء من الشام) سيما (لبنان) حاليا ، بأن ذلك الإتفاق مع البدو العرب وهمي وأن الحدود سوف يتم ترسيمها كمناطق نفوذ بين الإنجليز والفرنسيين على أرض الواقع.
وقد حاول الروس جهدهم بمراسلات عديدة إقناع الشريف حسين وإفهامه تلك المؤامرة في غير مرة ، لكن الرجل كان ساذجا تماما ويثق ثقة عمياء في حلفائه الإنجليز ، وهي نفس الثقة التي يثقها أحفاده الخليجيين (سيما السعودية) في الولايات المتحدة (الوريث الشرعي لبريطانيا العظمى) ، فالتاريخ يعيد نفسه.
هذا التاريخ الذي أسطره بتراكم معرفي دون حاجه لمطالعة مرجع واحد ، فهو معروف لدى كافة المثقفين بل أنصافهم ممن يقرؤون ولو بلا تعمق إذ كما قلت ، تاريخ العرب، تستطيع قرائته كله في كتيب من قبيل روايات أدهم صبري للجيب ، الإختلاف الوحيد أن د.نبيل فاروق كان ممتعا أكثر.
أما المقاومون .. والأمم التي تصمد ولا تنهزم مهما ضعفت .. فشأن آخر .. فهذه #فيتنام .. بلد صغير فقير من الغابات والمستنقعات تحتله فرنسا وترتكب فيه المجازر، وها هو "هوتشي من" ، مجرد طباخ على سفينه ، يجوب العالم ولديه حلم بتحرير هذا الوطن من الإستعمار ، نزل إلى لندن ، أقام وتعلم ، ثم فرنسا ، أقام وتعلم ، ثم سافر إلى روسيا والصين ، واعجبته مباديء الشيوعية ، فأسس حزبا شيوعيا ، والتمس الحدود الفيتنامية فجمع الشباب، وخاض حربا سياسية، لم تغنه عن المقاومة بالحرب.
ساعدته الصين، وساعده الروس، فاستطاع بمجموعة شباب وطنين من أبناء فيتنام، أن يذل فرنسا، التي هرولت تطلب مساعدة الولايات المتحدة التي أوفدت قواتها، ثم اليابان التي أزاحت جزء من سيطرة فرنسا، وتدخلت بريطانيا، فأصبح في ذلك البلد الصغير المقاوم أربع قوى عظمى من أشرس الممالك الإستعمارية وأكثر الشعوب عنصرية واحتقارا لغير البيض في العالم ، انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة، ثم هناك اليابان ، بلد اجتاح الصين يوما وأقام فيها مجازرا أبشع مما يتصوره بشر، وكان الجيش الياباني من أشرس الجيوش في العالم وأشدها دموية ، ولولا امر القنبلتين لاستمرت اليابان كقوى استعمارية منافسه للكبار وجيشلا يستهان به على الساحة، أربع وحوش ضد هذا البلد الصغير المقاوم ، استطاع هوتشي مين أن يذل فرنسا بهزيمة ساحقة، وحرب الشوارع، وكانت المرأة الفيتنامية تحمل المدافع والذخيرة وتعبر بها الأنهار والأوحال لإيصالها إلى شباب المقاومة.
أقصى نتيجة .. تقسيم البلد .. اللعبة التي يبرع فيها الإستعمار ويحاول فرضها دائما، قُسّمت فيتنام شمالا وجنوبا .. وللعجب كل العجب .. حارب هوتشي من وشبابه .. الجيش الفيتنامي الذي كان ينفذ أجندة الإستعمار ويعمل وفقا لتوجيهاته .. بعد حين .. شعرت الولايات المتحدة بالإذلال .. وثار الرأي العام الأمريكي .. انسحبت الدول الكبرى .. واستطاع هذا "الطباخ" البسيط أن يحرر بلده .. ويوحدها .. ويصبح أول رئيس لها .. فقام الفيتناميون بتحنيط جثته ووضعوها في متحف تستطيع زيارته اليوم لترى جثة هوتشي مين كما هي محنطة .. شاهدا على عظمة الصمود .. وقوة الإرادة .. وأن التفاوض تفرضه الأمم العظيمة والمرابطون في بلادهم على المستعمرين والجبابرة .. ولا يوجد شيء اسمه جلوس قوى عظمى للتفاوض مع أحد إلا أن تم إجبارها على ذلك.
هوتشي من .. هو من أشرُف بصورته في مكتبي بجواز صورة نيلسون مانديلا ، وبينما يعرف الموكلون والزملاء وزوّار مكتبي مانديلا ، يسألني الكثيرون ، من هذا ، ولماذا تضع صورته خلفك ؟ أضع صورته في مكتبي لأنه واحد من العظماء الذين قالوا (لا) ولم يملك شيء وقت قالها ، فقط إرادته ، ووطنيته ، وشرفه الذي به قاوم فانتصر ، وأذل قوى عظمى كانت منتصرة في الحرب العالمية وتجتاح العالم .. لكنها وقفت عند إرادة هذا المقاوم البطل.
ثم هناك #مصر .. أم الدنيا .. مقبرة الغزاة .. وأقدم جيش في العالم وأكبر حضارة على وجه الأرض شاء من شاء وأبى من أبى .. لم تجلس إسرائيل للتفاوض إلا بعد أكتوبر 1973 وبعد تحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر .. وبعد أن أذل الجندي المصري اعتى المجرمين في العالم المسلح بأحدث جيل من السلاح الأمريكي الذي لم ينقطع إمداده طوال الحرب بينما حارب المصريون بسلاح روسي أقل كفاءة ، لكنه حارب بإرادة منقطعة النظير ، حتى وثلث الجيش محاصر بخطأ عسكري ، لم يستسلم ولم يستجب لأي تهديدات ، تقدم شارون وحاول حصار الإسماعيلية ، فتلقى درسا لا يُنسى لا على يد الجيش المصري ، بل على يد المدنيين المصريين وقوات الشرطة المصرية وكتيبة من الجيش الجزائري الشقيق ، نصبت الكمائن ، وأطلق الرصاص من بنادق حملتها حتى المرأة المصرية قبل الرجل ، تدخلت أمريكا وتم وقف إطلاق النار ووضعت العراقيل في المفاوضات ، فاستخدم السادات ذكائه الفطري وحيلته الواسعة ومن بعده مبارك إلى آخر سطر في تلك الملحمة حتى تحرير آخر شبر من أرض مصر بسيادة كاملة ، واحترام من العالم ولو من غير عطف كما قال السادات ، وليس بعطف العالم بغير احترام كما يذل البعض اليوم ويكابر .. في حلف مع الصهيوني قاتل الأطفال .. حلف مُعلَن .. بلا حياء .. ولا كرامة .. ثم يجرؤ البعض أن يذكر على فمه . .إسم مصر !!
عزيزي الخليجي الفاشل .. المستعمر لا يفاوض منهزما .. بل يسحقه وينسفه ويتشفّى فيه ويتسلى فيه بالمجازر وفرض الشروط .. أما المفاوض الإيراني اليوم .. فهو كسابقيه من أهل المقاومة والمرابطين على بلادهم إما النصر بكرامة .. او الموت بكرامة .. هكذا كل أمة حرة.
ما جلست الولايات المتحدة للتفاوض مع #إيران.. إلا لهزيمة نكراء تكاد تنسف سمعتها في العالم كقطب أوحد .. والنتيجة .. بلد آخر مقاوم منتصر ، فاجلس وكفّر العالم من حولك ، وأطلق صياحك في الصحراء ، ونباحك على الأمم والشعوب التي لا ذنب لها في خيانتك لكل جار وشقيق منذ النشأة وحتى اليوم.. أما التاريخ فلا يرحم .. وأما حربك فخاسرة .. وليتها تقف عند خسارتك لها وفقط ، (فكما قلت في مقالات سابقة) لن يعود هذا #الخليج كما كان!
وإن الحفيد المتمسك بأوهام أمريكا ووعود الإسرائيليين ، لأشبه بالجد الذي تمسّك بأوهام الإنجليز ، ولم يلبث الإنجليز أنفسهم أن أجلتهم (مصر) لا عن مصر وفقط، بل عن مصر وافريقيا وآسيا ، فخروج الإنجليز من مصر على يد الجيش المصري باتفاقية الجلاء ، وتدخل القوتين الأعظم في العدوان الثلاثي على مصر ، كان الإعلان الضمني الرسمي بنهاية المملكة الإستعمارية البريطانية في الشرق كله على يد المصريين، واليوم .. حان وقت وريثتها .. على يد الإيرانيين.. ليصدق في الخليجيين – من بعد – قول العظيم الراحل محمود درويش في الإسرائيليين :
آن أن تنصرفوا
وتموتوا أينما شئتم .. ولكن لا تموتوا بيننا
فاخرجوا من ارضنا
من برنا... من بحرنا
من قمحنا...من جرحنا
من كل شيء، واخرجوا
من مفردات الذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة
(نعم يا عزيزي الخليجي .. حقيقتك المرة .. أنك وحليفك الصهيوني -في التاريخ- مجرد كلمة عابرة)
