ستار ال سعود المفضوح

ستار ال سعود المفضوح- قراءة في كتاب عواصف الحرب وعواصف السلام لهيكل

مقالاتنا

محمد سلامه

10/23/2026

ستار ال سعود المفضوح - قراءة في عواصف الحرب وعواف السلام لمحمد حسنين هيكل - محمد سلامه
ستار ال سعود المفضوح - قراءة في عواصف الحرب وعواف السلام لمحمد حسنين هيكل - محمد سلامه

تحت عنوان "الخميني"، أفرَدَ الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل مبحثاً في كتابه "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل"، وتحديداً في الجزء الثاني من هذا المؤلف الهام جداً، والذي كان عنوانه "عواصف الحرب وعواصف السلام".

ويعوزني بداءةً التنويه على أن كلام "هيكل" عن "الخميني" كان تحت الفصل الخامس الخاص "بكامب ديفيد وما بعده"، وتلك ملحوظة مهمة لما سيأتي (وتنويه أول). والتنويه الثاني: أن نصف الصفحة التي سأقتبسها من كتاب هيكل للتعليق عليها وإيضاح ما أريد، هي من طبعة دار الشروق للكتاب المذكور، وهي الطبعة الأولى بتاريخ 10 يونيو 1996. وكنت قد اشتريتها من أحد بائعي الكتب المستعملة ممن اعتدت المرور عليهم كل شهر لشراء الكتب إبان كنت طالباً بكلية الشريعة والقانون وساكناً بالقاهرة، وكانت هوايتي ووسيلة ترفيهي الوحيدة هي القراءة. وبالطبع، لم يمكن -وقتها وأنا أعمل بأشغال بسيطة إلى جانب الكلية لأقيم عيشي- إلا أن أشتري الكتب "مستعملة".

وهذه البداية هي رد بسيط على كمّ السباب والقذارات التي تنتشر في التعليقات على مقالاتي من عناصر #الإخوان والوهابيين والمتشددين ومريدي دعاة الضلال في الخليج ومصر، ممن لم يقرأ أحدهم كتاباً في حياته ربما، ومستعد لتكفير الآخرين وسبابهم بحساب مزيّف وبعقل أجهل من الدواب في مرابطها، في محاولة لتدارك صحوة الناس وانتباههم ضد هذا المدّ الجارف من الظلامية والتشدد منذ امتداده من أرض البدو في الجزيرة العربية إلى المصريين في مطلع القرن الماضي.

يقول هيكل:

(( إن الثورة الإيرانية غيرت وجه منطقة الشرق الأوسط فكراً وحركةً، مناخاً وسياسةً. ثم إن خروج الشاه "محمد رضا بهلوي" مطروداً من إيران، أفقد الولايات المتحدة رجلاً من أهم رجالها في المنطقة.

وخروج إيران من إطار الترتيبات الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط خلق خللاً في التوازن العام، وأتى إلى الخليج بعنصر مجهول، مؤثر بشدة، ولكن قواعد حسابه ليست معروفة، فضلاً عن أن تكون ثابتة.

وإذا أضيف إلى ذلك أن إيران وموقعها والشاه وجيشه كانوا في معادلة الغرب قوّامين على دور رجل البوليس قرب أهم منابع البترول في العالم – إذن، فقد كان هناك تغييرات هائلة في الحقائق الإقليمية خلطت الأوراق كلها، وأوجدت حالة جديدة تماماً، وخطرة بالتأكيد )) نهاية الإقتباس

وأقول: إن أبسط مقتضيات النزاهة والضمير، وحياد المثقف عند محاولة الوقوف على أساس واضح لأي موضوع يطالعه، هو التجرد في الفهم أولاً لمطلق الحقائق التي يتضمنها الموضوع الذي يبحث فيه. ووفقاً لهذا.. وبإعمال أبسط مقتضيات النزاهة في شأن إيران اليوم كدولة، والحرب المعلنة عليها لا منها، فإنه يجب معرفة الأساس الذي أوجد تلك الحالة العدائية الشديدة بين الغرب وإيران (والغرب الذي أقصده هنا وقصده هيكل فيكتابه يشمل بريطانيا ووريثتها الولايات المتحدة والابنة غير الشرعية لهما إسرائيل، بالإضافة إلى أوروبا). وما سبق هو استنتاج منطقي، وإذا أضفت إلى تلك الأطراف الخليج كله، لا تكون متجاوزاً فالواقع المعلن من طرفهم.. ليس إلا ذلك.

وإذا عرفت أن بريطانيا كانت تستحوذ على النفط الإيراني بالكامل عن طريق شركة إنجليزية، وأن محمد رضا بهلوي كان قد وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري أشرفت عليه بريطانيا والولايات المتحدة، وحاولا تكرار تجربة الانقلاب بعد 79 وإعادته، فالعقل والمنطق يقولان إن الثورة الإيرانية عام 1979 لم تكن إلا تأميماً لثروات هذا البلد لصالح شعبه لا يقل عن تأميم عبد الناصر للقناة في مصر، ومقاومة شرعية للاستعمار الغربي لهذا البلد.

ويعني ذلك بالضرورة ما صرح به هيكل من أن (بهلوي) كان رجلاً من رجال الولايات المتحدة، وقد أفدت من مصادر أخرى أن الرجل لم يكن إلا سمساراً للبترول الإيراني يسلمه بالكامل إلى الشركة الإنجليزية مقابل نسبة له وللحظوة من حاشيته، والشعب الإيراني ممنوع من ثرواته بالكامل، حتى أن رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق حاول أن يتفاوض مع الإنجليز أن يعطوا الإيرانيين نسبة 50% أسوة بالسعوديين دون جدوى.

من أجل هذا، لن تجد في الخليج من يحدثك عن الثورة الإيرانية أو هذا البلد في العموم من معيار سياسي أبدا، وسيظل يصفه بـ (نظام الملالي) و (الشيعي)، ويصدع رأسك بترهات التشدد والعصبية الدينية، وهي العقلية الجاهزة التي يشب عليها الخليجي من الميلاد للممات.

وحتى المثقف منهم.. سوف يتحول من الكلام في السياسة إلى الدين كلما أتيت على ذكر إيران؛ لأن الواقع -ببساطة- يؤكد أن العالم المليء بالثورات بين الحين والآخر، لم تنجح فيه ثورة استطاعت أن تغير الفساد وتقلبه رأساً على عقب وتقطع جذوره، كما كان الحال في بلدين: فرنسا.. وإيران!

ثم وبالنظر إلى باقي الاقتباس من كتاب هيكل، يظهر بوضوح أن أساس العداء لإيران هو خروجها من إطار الترتيبات الاستراتيجية الغربية للشرق الأوسط، والتي هي ببساطة السيطرة على منابع الطاقة عن طريق عملاء مضمونين لديهم، وبوابة صد أخرى في مواجهة المعسكر الشيوعي في الشرق الأقصى، وهو ما قصده هيكل (بالعنصر الإيراني المجهول)، أي: مجهول ولاؤه ونواياه، والتي اتضحت بتأميم النفط والعمل لصالح الشعب الإيراني، ومدّ الغاز حتى إلى القرى مترامية الأطراف، ودعم البترول للمواطن، فضلاً عن تخريج 300 ألف مهندس أغلبهم على قائمة الاغتيالات لإسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عمن اغتالوهم بالفعل حتى الآن.

ثم إن الخليجي عندما يستعدي المصريين على إيران اليوم، يتشبث بالمعيار الديني صائحاً: (ويحكم، إنهم يسبون الصحابة!) ويطلق عليك أتباعه في الداخل المصري (وهم بالآلاف بالمناسبة، وبينهم كتّاب وصحفيون وإعلاميون، فضلاً عن رعاة التشدد). فإذا حاولت (بنفس المعيار الديني) استهجان الحلف العلني مع الإسرائيليين وهم الأعداء التاريخيون للمسلمين والمنطقة بأسرها، يهرب منك فوراً إلى معيار (المصلحة)، سواء قصد أن مصلحته هو مع الإسرائيليين، أو أن مصلحتك أنت كمصري بين يدي الخليجي كممول وصاحب عمل للوافدين وضامن لعدم انهيار الاقتصاد المصري، أو هكذا أُوهِم الغرب أنه وصل إلى تلك المرحلة التي يستطيع فيها مساومتك والتحكم بقرارك بل وتحريك جيشك بالإرتزاق والوكالة، كما يؤدي هو دوره بالوكالة.

ثم إن تأكيد هيكل بأن حالة إيران تلك هي حالة خطرة في نظر الغرب منذ تأليف كتابه في 1996، وما يضاف إليه من تأكيده في لقاء تليفزيوني قبيل وفاته في 2016 عن عمر 97 سنة من أن الحرب القادمة هي مع إيران، وما تراه من أحداث اليوم.. من اغتيال لعلماء هذا البلد الذي طوّر نفسه بنفسه رغم الحصار والعقوبات، وما تراه من بدء حرب عليه بقصف مدرسة أطفال بوحشية قُصد بها تركيع نظامه واستثارة شعبه ضد قيادته فانقلب السحر على الساحر وتضامن البلد ببعضه قائماً بنفسه مرة أخرى ضد العدوان؛ كل هذا يؤكد أنه -وفقاً لمعيار سياسي بحت.. وبأبسط مقتضيات النزاهة- إن إيران اليوم.. تحارب النصف الأشد تعصباً وعدوانية وتطرفاً من الكرة الأرضية مجتمعاً، بدءاً من قوى عظمى تحتل المكانة الأولى في التاريخ من سجل الاعتداء الدموي بالإبادة والحروب على أمم ضعيفة أو ناشئة.. وانتهاءً بجيران من البدو لا تاريخ لهم إلا من حيث تُذكر الخيانة والعمالة والإنبطاح والتعصب والجهل والتقنّع باسم الدين!

وفي حين عارضت أوروبا الحرب على #إيران وأقرت بعدم شرعيتها (وهو موقف لم يستطع خليجي واحد أن يعارضه أو يناقشه حتى الآن)، تجد الخليج مديراً قفاه حتى لإيران نفسها ليتذمّر ويتوعّد ويكفّر وينفّر من المصريين، وما ذلك إلا لأنه لن يستطيع أن يبتز أوروبا بالمعيار الديني الذي لا يعمله الخليج حتى على نفسه، بل يسنّه سيفاً من خشب جاهزاً للإشهار فقط في وجه #مصر!! بلا منطق أو نزاهة.

وأخيراً.. لما نوّهت عن كامب ديفيد في بداية المقال؟ ذلك أن هيكل.. ذكر في كتابه أن الأمريكيين تلقوا اقتراحات من المفاوضين مع الجانب المصري في كامب ديفيد تنصح بإمكانية أن تأخذ مصر دور إيران (الذي كان مع نظام الشاه) شرطي الولايات المتحدة في المنطقة، وعندما علم السادات بهذا المقترح، حاول تدعيمه بإظهار الانتقاد العلني لنظام الخميني وللثورة في إيران!

ومن يعلم السادات جيداً، يعلم أنه كان شديد الدهاء، وحاول استخدام هذا الكارت لإقناع الأمريكيين به من أجل إتمام كامب ديفيد وتحرير الأراضي المصرية، لكن السادات ما كان ليقصد حرفاً مما قاله، وما كان ليقتنع به؛ غايته كانت إتمام المفاوضات وإظهار مرونة مع الأمريكيين حتى توقيع اتفاق وتحرير الأرض. وما كان يلقيه السادات في خطبه من مقارنات عن اقتصاد إيران الشاه المزدهر واقتصاد إيران الخميني المتعثر، كان هو أول من يعلم أنه غير صحيح، بل كان يعرف من يلاعب، ويعطيهم ما يتوقعونه، وكان أعلم الناس بحقيقة دسائس الخليج. فما كنا نسميه لعقود (فصل مصر عن العرب) كان في الواقع الذي لم نفهمه لعقود وأدركه السادات مبكراً هو (حتمية فصل مصر والعرب عن البدو في الجزيرة).

وأما تصريحاته عن إيران ومقارناته أرقام نظام الشاه بأرقام الخميني، فكان خطاباً مواجهاً (أو موجهاً) إلى الأمريكيين ولم يقصد منه سوى رسالته إليهم: (أستطيع أن أكون رجلكم، فقط أعطوني أرضي وحلاً عادلاً لفلسطين).

فحقيقة الاقتصاد لأي بلد لا تقف عليها فعلاً بالأرقام المعلنة؛ ففي مصر -كمثال- كان التنامي الاقتصادي متصاعداً (كأرقام) في أواسط عهد مبارك، لكن الواقع أن تلك الأرقام كانت تذهب إلى جيوب فئة قليلة جداً كما كان الأمر في عهد شاه إيران -أرقام عالية ومبيعات مسجلة- لكنها على الورق، والشركة الإنجليزية تستحوذ على كامل النفط. بينما حوصر الخميني بالعقوبات، وبالرغم من ذلك، فإصلاح البلد وتوزيع ثروات بتروله والاهتمام بالبحث العلمي كانت النتائج الحقيقية على الأرض لهذا النظام المتهم بالتعصب والتشدد الديني، وإلا لما كنت ترى اليوم صاروخاً مداه 4000 كيلومتر بالتصنيع الحربي المحلي داخل إيران، وعقولاً إيرانية وطنية في بلد مكتفٍ ذاتياً من صنع أغلب أنواع الأسلحة التي يستخدمها، وهو بلد لجأت إليه روسيا (أحد أعظم الأقطاب المصنعة للأسلحة في العالم) لتصنيع مسيرات في حربها ضد أوكرانيا.

الحرب مستمرة.. لكن هذا البلد الكبير.. لا يزال منتصراً.. وكل حر في العالم.. يؤيده.