حكم السماسرة
مقال يصف الواقع السيسي في الشرق الأوسط
مقالاتنا


لنفرض مثلاً أنك أردت أن تشتري سيارة جديدة، ولم تمثل لك الميزانية مشكلة فتستطيع شراء أي سيارة؛ البعض يقارن بين السيارات وبعضها من حيث قدرة المحرك وقوتها على الطرق، والبعض يقارن السيارات من حيث الاعتمادية ومصاريف التشغيل، والبعض الآخر يقارن بينها من حيث الرفاهية والكماليات... إلخ.
لكن هناك أشخاصاً عاقلون جداً، وقليلون، يقارنون السيارات من حيث عامل واحد هو الأساس؛ ألا وهو الأمان، فتراه لا يذهب إلى تصفح أشكال السيارات الجديدة، ولا إعلاناتها المزوّقة، بل يحاول أن يبحث عن شكل السيارة بعد التعرض لحادث فعلي، ليرى: هل حافظت فعلاً على حياة السائق أم لا؟ وهل أدت عوامل الأمان لخروج السائق حياً أم لا؟ بينما يصرف غيره الملايين للحصول على رفاهية وسرعة لا يعبأ بها العاقل كثيراً.
وإذا طبقنا تلك النظرية على أساليب إدارة الدول من قبل أنظمة الحكم المختلفة، ستكتشف أن جميع الدول الحرة والثرية والقوية لا تعبأ بشيء في المقام الأول أكثر من حياة المواطن وحمايته مهما تكلف الأمر؛ فبالباسبور الأمريكي مثلاً مكتوب فيه: (أسطولنا يتحرك من أجلك)، وفي الواقع، فالولايات المتحدة كدولة عظمى لم تتخلَّ ولو لمرة واحدة عن مواطنيها، بل شنت حروباً وهاجمت دولاً كاملة بسبب احتجاز مواطن أمريكي واحد كما فعلت في أزمة الرهائن الأمريكيين مع إيران. وكذا إسرائيل.. لا يمكن أن تفرط إسرائيل في حياة مواطن واحد من مواطنيها، وهذا شهدناه في كل الحروب، بل تستعد إسرائيل لمبادلة حياة أسير إسرائيلي واحد بأي عدد من الأسرى العرب أو بأي مطلب يطلبه المحتجز، وهذا شهدناه أيضاً في كل صراعاتهم.
وكمثل حياة الفرد وأمنه، تجد الدول الكبرى تعني أيضاً بحياته ورفاهيته قبل أي شأن آخر؛ فالمواطن يأتي في قائمة أولويات أي دولة كبيرة تحترم مواطنيها وتوفر لهم سبل العيش، ثم تأتي الخطط الأخرى في مرحلة لاحقة.
وأما أنظمة الحكم الديكتاتورية، سواء العسكرية منها أو الدينية، فإن المواطن هو آخر الاهتمامات، وربما لا وجود له في خطط الأنظمة الحاكمة التي لا تتكفل بأكثر من بقائها واستنزافها موارد الشعوب والسيطرة عليهم لمصالح خاصة، ولا بد في هذا السبيل أن تجد جهازاً إعلامياً فاسداً كله، وصحافة فاسدة، وجهاز شرطة فاسداً، وجيشاً أيضاً!
فتتحول الوطنية إلى نعرات كاذبة أمام الشاشات، ووعود مؤجلة، ويصبح الخطاب الرئاسي مزيجاً من السلطوية والتخويف وإلقاء التهم على المواطن وحده، واعتباره السبب الرئيسي في عثرات الدولة وديونها ومشاكلها الاقتصادية، على الرغم من كون المواطن منزوع الحقوق بالكامل في ظل هذا النظام الديكتاتوري المجرم، والذي يقوم بنسبة 100% على الضرائب من المواطن، بينما تُستنزف موارد الدولة لمصالح خاصة وأفراد بعينهم وفئات بعينها.
فنصبح كمن وكّل غيره لشراء سيارة، فاشترى له سيارة قديمة متهالكة لا تصلح للاستهلاك الآدمي وبلا أي وسائل أمان، ثم زينها له وأعاد طلاءها، بل وسمح له بركوبها وحفّزه لزيادة السرعة حتى إذا وقع الحادث، كانت روحه هي أول الخسائر!
وعلى جانب آخر، فإن الكيانات المجرمة التي خلقت وزرعت وسط الحضارات الكبيرة والدول القديمة العريقة، تبهرك زينتها، وتخدعك مظاهر الترف فيها، رغم أنها تفتقر إلى مقومات الدولة الأساسية، كدويلات الخليج مثلاً؛ كيانات صنعها المحتل الإنجليزي كظهير حماية للاحتلال أو بقاياه مثل إسرائيل، وهي مهما بلغت من الترف، لا تزال غير قابلة للحياة فعلاً؛ فهؤلاء الناس يملكون المليارات ويتحكمون في شؤون الدول، لكنهم حتى اليوم يشربون مياه البحر المحلاّة أو يستوردون حتى المياه، فلا نهر يسقيهم ولا أرض يزرعونها، وتلك.. أبسط مقومات الحضارة بل أبسط متطلبات البقاء كدولة.
وإدراكاً من تلك الكيانات المجرمة لهذه الحقائق، فقد سعت مؤخراً لتملك وسائل العيش والرفاهية في دول كبيرة متعثرة بأنظمة حكم فاسدة تبيع كل شيء وتفرط في أي شيء من أجل المال؛ فاشتروا أرضاً في مصر للزراعة، واشتروا مياهاً، واشتروا سواحل وفنادق ومطارات، فأصبح لهم دولة داخل الدولة، وضماناً للبقاء فيما هو احتلال فعلي لأراضي الغير وثرواتهم، لكنه احتلال مُجمّل باسم الدين والعقيدة تارة، أو باسم عروبة لا يؤمنون هم بها أصلا، أو باسم أخوة دائماً ما يكونون هم أول الخائنين لها، وتاريخهم وتاريخ آبائهم وأجدادهم يشهد بهذا.
إن استمرار السمسار بالبيع، والحكم الديكتاتوري بتبرير الفشل واستنزاف المواطن وإفقاره لصالح تلك الكيانات المجرمة، هو ما يجعل شعوب منطقة الشرق الأوسط وحضاراتها القديمة المستهدفة جميعاً في مهب الريح إذا لم يقفوا لهذا المخطط ويستعيدوا دولهم من قبضة السماسرة والخونة، وإلا فنحن في عصر من العبودية لن ينتهي ولو بعد حين!
