الخليج .. تحالف في الظاهر وعقارب مسمومة في الخلفية

مقال يصف واقع العلاقات بين الشركاء الخليجيين المتحالفين ضد دول الجوار العربية والمتنافسين في تنفيذ اجندات الإستعمار الغربي للمنطقة كالإمارات والسعودية

مقالاتنا

محمد سلامه

10/15/2026

رأينا جميعا صانع المحتوى الإماراتي الذي خرج بعد دقائق من ضرب مطار الرياض في السعودية بفيديو من داخل مطار دبي سعيداً، مبتهجاً، شامتاً، يتنقل في مطار دبي قائلاً: (شوفوا المطارات على حق)، (شوفوا التقدم)، (أمامك سنين ضوئية عشان توصل لهذا المستوى)، وأشياء من هذا القبيل، والكلام (ليكي يا جارة)!

ثم جميعنا – والكلام للمتابعين للأحداث – نسمع هذا السؤال المتكرر على قنوات الأخبار التي تتناول حرب اليمن إذ يقولون: (لماذا لا يرد الحوثي في الإمارات كما يرد في السعودية؟) ألم تشارك الإمارات؟!

ولعلكم تذكرون أن تلك كانت نفس العبارات التي كانت تُلقى أثناء المعارك مع إيران: (لماذا لا ترد إيران في إسرائيل وترد في الخليج؟) وكأن الاعتداء لم يخرج من أرض خليجية، ولكن ليس هذا مربط الفرس؛ فالأمر أسوأ من ذلك بين الخليج وبعضه البعض ككائنات سامة.

فعلى الرغم من عبثية الطرح، وكونه مضحكاً مبكياً، عندما يخرج محلل سعودي على الفضائيات ليقول على الملأ: (لماذا لا تضربون الإمارات وتضربوننا فقط؟) على أساس أن الإمارات مشاركة في التحالف، أو الاعتداء على اليمن، في جملة هي "نسخ ولصق" من جملة قيلت منذ عدة أسابيع قليلة فقط بنفس المنطق والحجة عن إسرائيل!! وكأن القضية هي (انظر أين يرد الحوثيون) وليست (فيم الاعتداء على الحوثيين وعلى اليمن أصلاً)، كما كانت (انظر أين ترد إيران) ولم يُطرح السؤال الأهم: (فيم كان الاعتداء على إيران أصلاً؟)!

وهذا يكشف الكثير عن العقل الخليجي المسطح، المتصف بالغباء الشديد من جهة، كما يكشف طبيعة العلاقات الإماراتية السعودية التي ظاهرها التحالف وباطنها التنافس والتباغض والأحقاد المتبادلة كالعادة من جهة أخرى.

والمتابع جيداً لأجندات (الخلايجة) في الخارج، يجد صراعاً مستمراً وتنافساً على الريادة (المزعومة) للشرق الأوسط، وتهافتاً على تنفيذ أجندات الغرب خارج الجزيرة بين الدويلتين؛ السعودية والإمارات، وإن اختلفت المساعي لكن الغاية واحدة، وهي الفوز بلقب الوكيل الأهم للغرب المستعمر في المنطقة وللمشروع الصهيوني، وهو ما يمثل في نظر القيادات في البلدين بطبيعة الحال.. زعامة ما.. للشرق الأوسط كله.. وبينما تركز السعودية على الولايات المتحدة كوريث شرعي للإنجليز (الذين نصبوا آل سعود ملوكاً)، تركز الإمارات على إسرائيل التي جعلت من الإمارات مركزاً مالياً مهماً ومضخة عالمية لغسيل الأموال والشراكة الاقتصادية المشبوهة (انظر الفيديو الذي نشرناه في أبريل الماضي).

ولأن لإسرائيل مشروعاً توسعياً يشمل المنطقة بأسرها، ولأن مصر هي القلب والهدف، فقد جعلت إسرائيل من الإمارات وكيلاً لها في أفريقيا، وتسعى السعودية لمقاومة هذا الصعود الإماراتي بوجود مقابل على كل الجبهات، وكلا الدويلتين تتنافسان في التدمير والتقسيم لجميع الدول التي يتاح لهما فيها موطئ قدم؛ فبينما تدعم الإمارات الدعم السريع في السودان، تدعم السعودية ما تبقى من الجيش السوداني، ولا تتوقف سفن الشحن وطائراته من الإمارات إلى السودان بالسلاح والمعدات حتى خرج مؤخراً زعيم الدعم السريع (حميدتي) يتوعد ويتهدد ويهرطق بكلام لن يحتمل عواقبه ضد مصر!

والدولتان من أسوأ الدول تعاملاً مع الجيران؛ فالسعودية مثلاً، خلال آخر ثلاثين سنة فقط، استقدمت الولايات المتحدة إلى العراق فتم تدميره وقتل مليون ونصف عراقي مسلم في مذبحة طريق بغداد وغيرها، واستقدمت الولايات المتحدة والحلفاء لسوريا (على الرغم من فتاوى السلفية المدخلية السابقة بعدم الجواز، فعدلت الفتاوى وساروا على بركة الله) ودمرت سوريا التي خسرت اليوم قرابة ثلث أرضها للإسرائيليين دون أن تطلق رصاصة واحدة من أمير المؤمنين الكرتوني هناك (الجولاني) الذي هو صناعة سعودية تركية أمريكية صهيونية مشتركة،.

وأصبحت سوريا مصنع تفريخ للمرتزقة عند الطلب تحت يد السعودية وحلفائها وهناك أفواج منهم يتم شحنهم اليوم للقتال في اليمن، وحدث ولا حرج عن استقدام قوات التحالف إلى اليمن على يد السعوديين أيضاً، ثم عادوا إلى إيران فانطلقت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية من أرض خليجية بالعموم وسعودية بالخصوص، إلا أن الجميع قد فوجئ بإيران التي أدبت الجميع بقوة الرد وبسالة الصبر والقدرة على الصمود

لكن الشاهد.. أن النظام السعودي لا ينفك عن التآمر ضد جميع دول الجوار.. ولا تعرف ماذا يريد هؤلاء الناس أكثر من قتل وتدمير وتشريد للملايين في جميع البلاد العربية التي تدخل فيها آل سعود واستقدم لها القوات الأجنبية لتدميرها، حتى غدت السعودية اليوم من أسوأ الدول في علاقتها بجميع جيرانها، ويشمل ذلك حتى حلفاءها الخليجيين أنفسهم، مثل قطر والكويت. لكن الإمارات وحدها لها قصة أخرى ترعب آل سعود وتؤرق نومهم، وهي التنافس على الريادة المزعومة.

فالإمارات استطاعت أن تصل بعلاقاتها إلى حلف إقتصادي قوي مع الابن المدلل لقوى الاستعمار الغربي الكبيرة (إسرائيل) والشركاء الاقتصاديين الذين حكينا عنهم في الفيديو (تدمير الدول والشريك الإماراتي المشبوه) وتوافق تام في السياسات، حتى أصبحت مع الوقت منافساً قوياً، وتهديداً حقيقياً للريادة السعودية المستندة إلى الأرض المقدسة التي تتم المتاجرة بها على قدم وساق، فضلاً عن نسبتها من الثروة البترولية، وتظل الإمارات حليفاً ظاهرياً.. لكن الواقع.. شيء آخر.

ولهذا.. كانت (قطر) هي الشريك الخليجي الأكثر تعقلاً، عندما نأت بنفسها عن حرب اليمن، كما اكتشفت أنها تضحي بعلاقات وشراكات ذات أهمية مع إيران لا سيما في حقول الغاز وغير إيران، مقابل حليف خليجي ظاهره الوحدة وباطنه الأحقاد والدسائس، ففهم القطريون اللعبة، ولا يزالون هم أكثر أهل الخليج تعقلاً في علاقاتهم وتحسباً (للدغة الحية) من الجيران المسمومين، وهذا واضح من سلوكها حتى أثناء الحرب وإلى اليوم حيث تبدو قطر وسيط حل، أكثر من طرف في الحرب، شأنها شأن عمان.. التي وإن كانت شريكاً في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها تختلف تماماً من حيث سياسات التطبيع مع الشريك الصهيوني التي ترفضها نهائياً، بالإضافة إلى حرص العمانيين على دور الوساطة مع إيران إما للشراكة على الطرف الآخر من مضيق هرمز، وإما للدور التاريخي في منطقتها، كونها أحد الأصول العربية القديمة (العرب العاربة) هي واليمن، بخلاف أهل الخليج المحدثين الذين لا يمت أغلبهم اليوم إلى أي نسب عربي أصلاً.

كما تختلف عمان حتى في الأمور المعنوية من الاعتزاز بالهوية والتاريخ الذي تجد له عنواناً واضحاً في بناياتها وتضاريسها بخلاف الإمارات والسعودية المشوهتين تماماً، فالبلدان مغبونان في الطراز المعماري الغربي والشراكات الاقتصادية وعالم المال والأعمال الذي تراجعت عنه فتاوى التحريم والتشدد الديني الذي تم قصره فقط على فتاوى الجهاد ضد العرب والمسلمين والجيران كأخينا الذي تم تصويره يحث المرتزقة السعوديين عبر لاسلكي الجيش للجهاد ((في اليمن))!! وكأن اليمن اليوم هو يمن كافر!! وهو ما لم يفعله أي شيخ سعودي ضد الصهاينة، بل أفتوا بعدم جواز الجهاد ضد اليهود، وأنهم أبناء عمومتنا (وطاعة ولي الأمر أولى والله الموفق)!

لهذا لا أندهش عندما أرى السعوديين يغضون الطرف عن شماتة صناع المحتوى الإماراتيين في قصف مطار السعودية كرد فعل لاعتدائهم على اليمن الشقيق، بينما يصبون جام غضبهم على المصريين كالعادة، برغم أن هناك آلاف الأصوات المصرية التي تنتهج نهج المصلحة والسبوبة وتمارس النفاق الفاقع، والمتأثر بالرؤى الدينية المتشددة؛ فهناك من يؤيدون على طول الخط آل سعود ويربطون بينها وبين المقدسات الدينية في ربط ساذج مفضوح لا محل له ولا حاجة للخوض في تفاصيله، فقد كتبنا من قبل حول تلك العلاقة بين (محدث النعمة، والمنافق الجائع)، وإن أغلب الشعب المصري المعتز بتاريخه وهويته يتخلف عن هؤلاء الأنطاع ويفترق عنهم.

وأخيراً.. فإن هذا التنافس في الخلفية له ظواهر عديدة حكينا بعضها والآخر متروك لذكاء المتابع، وليست هناك نتيجة منطقية أكثر مما هو متوقع من أن الحية عندما تلتف تلدغ نفسها، والعقرب كذلك، وجميع الكائنات السامة التي لا تحتوي في فمها إلا على السم، لا يُتوقع منها أكثر من اللدغ، حتى إذا لم تجد عدواً تلدغه، تلدغ نفسها، أو حتى.. حلفاءها!

فأنثى العقرب بعد أن يلقحها الزوج، تلتف فتأكله في تصرف مرعب من هذا الكائن السام الصغير، فيا ترى من من الحليفين الخليجيين المذكورين سوف يلقح الآخر أولاً، ومن من الحليفين الخليجيين سيأكل الآخر أولاً؟!

أما اليمن.. فالقول فيه ما قال الحوثيون قولاً واحداً، حتى مع التدخل الأمريكي المرتقب دعماً للشريك السعودي المتوتر، فلن يغير ذلك من واقع الحرب في اليمن شيئاً، فالثابت أن البشر -برغم كل التقدم التقني في السلاح- لم يخترعوا شيئاً بعد.. يحرك الجبال من مكانها، أو يصد صاحب القضية عن قضيته، أو يقتلع صاحب الأرض من أرضه! فعاش اليمن حراً مقبرةً للغزاة.
#اليمن #الحوثي #الولايات_المتحدة #الإمارات #السعودية #السودان