من لم تمسسهم الحضارة

مقال ضد التطرف الديني المنتشر والإساءة إلى المصريين المسيحيين على يد الجماعات المتطرفة المعروفه أصولها

مقالاتنا

محمد سلامه

10/29/2026

محمد سلامه - شاعر ومحام ناشط سياسي مصري
محمد سلامه - شاعر ومحام ناشط سياسي مصري

الإنطلاق من قاعدة عريضة مكذوبة من الدفاع عن الدين والرد على الملحدين للتجاوز في حق أصحاب الملل والديانات الأخرى هو هو نفس المسلك الذي يسلكه شيوخ السلفية المدخلية في السعودية من تحريم الخروج على الحاكم، ثم فجأة يُشحن الناس على كل المنابر ضد حاكم مسلم وشعب مسلم وفق سياسة آل سعود وآل داوود وآل روتشيلد، ثم نعطي فتوى بتكفيرهم أولاً بكل سهولة ويسر.

وهو ذاته نفس المسلك الذي يدفع منذ مائة وعشرين سنة بالملايين ويسخر الحناجر على المنابر لإقناع المصريين أنهم عرب وسنة؛ حتى يجدوا من يموت بدلاً عنهم في حرب طائفية ضد الشيعة في إيران واليمن والعراق وسوريا، حرب يدفعون ثمنها بالدولار لصاحب الدولار مقدماً، ثم يمنون على صاحب الديون بالديون ولا يشاركون فيها! ولا ضير، فالمصريون (على قفا مين يشيل) والملك سلمان (يؤمر)، وأهو كله باسم الكعبة والحرمين!!

وهو ذاته نفس المسلك الذي خلق من عجينة التناقض الأحمق وبول الإبل المقدس مرشدةً سياحيةً منقبةً تقف أمام تمثال أثري مصري وتقدمه للسائحين باعتباره (صنماً والعياذ بالله)!!

وهو ذاته نفس المسلك والطريق الذي يخرج منه كل يوم من يقول إننا لسنا فراعنةً، وأننا (ضيوف على هذه الأرض)، وأن أصل الفراعنة أفريقي، وأن العرب (أجدادنا) في تدليس أحمق مفضوح ساذج على شعب لا يقرأ ولا يفهم ولا يعرف قيمة الأرض التي يقف عليها، أو الهوية التي ينتمي إليها، أو العرق الصافي الذي ينحدر منه أبًا عن جد، ويسلم بالولاء لمن يدخل في نسبه الهندي والبنجلاديشي!!

لن يجرؤ أحد على دفع هذا البلد نحو هاوية الطائفية خارجياً، أو التوتر (المخلوق المصنّع برعاية خليجية) في الداخل بين مصري مسيحي ومصري مسلم، ما لم يقتنع المصريون بأنهم عرب وسنة، وأنه لابد أن يشاركوا في الحرب المقدسة ولو ضد المصريين المسيحيين لنصرة عباءة آل سعود ودفيرة آل داوود (سوري، قاصدي البيت الحرام)!! لإنهاء مخطط بغيض حاقد على جميع الحضارات الكبيرة والأمم الكبيرة في المنطقة، من العراق لإيران لليمن لمصر، من مجموعة بلا تاريخ ولم تمسسهم الحضارة!

إن الدولة المصرية التي تحارب الإرهاب -أو هكذا تدعي- وكلّفت المواطن أضعاف طاقته لسنوات، وجّهت أنظار الناس إلى الأثر وهو التفجير والعنف ومواجهة الضابط والجندي لهذا البلاء والموت في سبيل الوطن، وركزت المشهد على تلك التضحية لإقناع المواطن بمدى أهمية الحكم العسكري ومدى تضحية العسكريين واستحقاقهم رئاسة البلد وقيادتها دون كلمة نقد أو تعقيب؛ فمن منا يساويهم وطنية وفداءً؟! بينما يفرض العقل والمنطق التساؤل عن مسببات الإرهاب: ماذا عن الأسباب؟! أنتم حملتم المواطن أكثر مما يطيق بناءً على الأثر الذي يعاينه رعباً وخوفاً من تفجير هنا وسباب هنا ووعيد هنا وتكفير هنا، لكنكم لم تعنوا بالأسباب، ولم يقف أحد للتطرف المسؤول عن تطور هذا التشدد للوصول إلى الحلقة الأخيرة بوقوف متشدد أحمق بلباس غريب وسلاح في يده ضد المصريين، وقد يكون مصرياً معبأً (بزبالات) الأفكار التي سكتت عنها الدولة لعشرات السنين وهي تبث على التلفزيون الرسمي للدولة، مثل قناة "منهاج النبوة" لصاحبها -والوحيد الذي يظهر فيها 24 ساعة- وهو محمد سعيد رسلان صاحب الرقم القياسي لتكفير الأرض ومن عليها ومن فيها. وتلك القناة وغيرها هي منافذ لنشر الفكر السلفي المدخلي المتناقض بين تكفير الناس ولزوم قتالهم وبين الجهاد بالسنن وعدم الثورة على الحاكم وإن زنى ولاط، على حسب التعليمات والدولة التي حان دورها لتدميرها وتكفيرها وتشريد شعبها باسم الدين. والملاحظ أن الدور على اليمن، فمن البديهي أنك إن ذهبت الآن إلى تلك القناة لتجد رسلان ذاك أربع وعشرين ساعة مكفراً للحوثيين -وأقسم بالله لم أسمع منه ولا عنه منذ زمن، وأنا واثق أنك إن قمت الآن وفتحت تلك القناة (منهاج النبوة) على النايل سات، ستجد هذا الشخص يلعن ويسب ويكفر كل يمني على وجه الأرض!

تلك الأفكار تنتشر على المنابر والمؤسسات المتطرفة التي تم تقنينها من الباطن كجمعيات أهلية أو جمعيات شرعية، وهي معامل تفريخ لهذا الفكر المتطرف المزدهر المنتعش في مشارق مصر ومغاربها منذ استيراد حصة مصر من المنتج الوهابي البدوي المصنوع في خيمة بلا نور ولا كهرباء ولا صرف صحي في السعودية قبل أن تصبح مملكة على يد الإنجليز عام 1936.

هذا الحاصل -بلا تصدٍ ولا مقاومة ولا حماية، سيان للمصري المسلم المثقف المعتدل أو حتى المصري المسيحي الذي يفتح التلفاز ليجد دينه يُسب بأبشع الألفاظ على التلفزيون الرسمي للدولة- لهو الإرهاب الحقيقي الذي يجب أن يحارب ويُمنع ويُجرم.

تلك هي الأسباب التي يجب الوقوف لها، وليس مجرد الآثار متمثلة في كل سليط على الشاشة مسباً ومكفراً، أو متطرف يقف للناس بالسلاح معبأً بتلك الأفكار حتى إذا قامت الدولة بأحد أدوارها في حماية الناس منه في الأخير، ادعت أنها (قضت) على الإرهاب! القضاء على الأثر لا يمنع قيام السبب ولا بقاءه ولا إنتاج ملايين الآثار مرة واثنين وثلاثة.. حاربوا الأسباب يا سادة وليس الآثار.. راقبوا الجمعيات والمنابر والمؤسسات المستظلة بظل قانوني وتمارس من الباطن تلك الدعوات، احموا هذا البلد مما يحاك له على يد من اتخذتموهم أولياء وما أولياؤهم إلا آل داوود..

بالأمس، شاهدت فيديو لمسيرة إسرائيلية تطارد يمنياً كان يقف على أرضه داخل حدوده يحميها من المعتدين؛ تلك المسيرة نسخة طبق الأصل من المسيرات التي شاهدناها طوال عام 2024 في غزة، أي إنها إسرائيلية في السعوديين!!

الحوثيون.. لم يكن اسمهم كذلك، بل كانوا الزيديين أتباع الحسن الشريف ابن بنت رسول الله، سموا أنفسهم "الحوثيون" بعد مقتل قائدهم حسين بدر الدين الحوثي (شقيق القائد الحالي عبد الملك الحوثي) بعد أن استعان علي عبد الله صالح بالمخابرات الأمريكية لتحديد مكانه.

وفي حرب اليمن إبان عهد عبد الناصر، أرسلت إسرائيل العتاد والقوات تحت إمرة السعودية ضد القوات المصرية هناك، وأرسلت إنجلترا عشر طائرات؛ لعل إسرائيل وإنجلترا كانتا ولا تزالان جنباً إلى جنب مع آل سعود تدافعان عن بيت الله الحرام من اليمنيين أصل العرب وسلالة الأشراف ، خذها كذلك ، وصدقها ، فهو مقتضى مذهب السلفية المدخلية الآن ((وسلامتها أم حسن)) !!

محمد سلامه